الملح والصحة

منذ سنة 1970 وأنا طالب في كلية الطب لجامعة كولورادو الأمريكية، عرفت أن الملح يرفع ضغط الدم ويسبب مشاكل في القلب، فقررت خفضه في طعامي، وعدم وضعه على طاولة الطعام، ولم أحد عن ذلك حتى اليوم. وقبل حوالي عقدين تذمر أصدقائي وأصحاب مجلسي من قلة الملح في الطعام الذي أقدمه لهم، لكن سرعان ما تعودوا عليه وقبلوه. كما تذمروا من خبزي المشبع بالشوار (النخالة)، وقهوة الشعير ليلاً ثم أقروهما. وكثيرًا ما أنصح بتجنب الملح منذ بدأت ممارسة الطب، ولكن الذين يتقبلون نصائحي قليلون. ولكن المسؤولية المهنية تحتم علي الاستمرار في النصح، لعل وعسى.

قرأت حديثًا ثلاث دراسات علمية تبين خطورة الملح المضاف إلى الطعام على الصحة، أود أن ألخصها لكم، لعلكم تستفيدون منها.

1. الدراسة الأولى: زيادة الملح تخفض الوظيفة الإدراكية للدماغ:

تجربة علمية على الفئران: بعد أسابيع قليلة من تناول الفئران نظامًا غذائيًا غنيًا بالصوديوم (الملح)، لوحظ فيها انخفاض في تدفق الدم إلى مناطق في الدماغ، مرتبطة بالتعلم والذاكرة. فقد واجهت الفئران صعوبة في بناء مقرّها، وواجهت صعوبة في إيجاد طريقها للخروج من المتاهات، لانخفاض تدفق الدم الذي يؤثر على الإدراك، والذاكرة الخاصة بالمكان الذي كانت فيه.

وهناك دراسات علمية أخرى بينت أنّه يمكن لارتفاع ضغط الدم، الناتج عن تناول كميات كبيرة من الملح، زيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية والإصابة بالخرف.

2. الدراسة الثانية: عن إضافة الملح إلى الطعام (دراسة على الإنسان):

الارتباط بين الملح الغذائي والصحة موضوع نقاش طويل. وفي مجلة القلب الأوروبية في 10 يوليو 2022 نشرت دراسة جديدة، تم فيها ربط إضافة الملح إلى الطعام على المائدة، بزيادة مخاطر الوفاة المبكرة وانخفاض متوسط العمر المتوقع.

أجريت الدراسة على أكثر من 500.000 شخص، (من Biobank في المملكة المتحدة). وهي قائمة على مقارنة الذين يضيفون الملح دائمًا إلى طعامهم، بالذين لم يضيفوا الملح أو أضافوه نادرًا. فتوصلت الدراسة  إلى أنّ الذين يضيفون الملح دائمًا، معرضون لخطر الموت المبكر بنسبة 28٪ (قبل سن 75 عامًا). فإضافة الملح إلى الطعام كان مرتبطًا بانخفاض متوسط العمر المتوقع مقارنة بالذين لا يضيفون الملح.

3. الدراسة الثالثة: عن مستوى ملح الصوديوم في دم الإنسان، نشرت في مجلة القلب الأوروبية عدد 22 مارس 2022. قام الباحثون بتحليل البيانات من دم أكثر من 15000 بالغ ، تتراوح أعمارهم بين 45 و66 عامًا، لمدة 25 سنة. فوجدوا أنّه حتى المعدّل العالي (فوق 140) وهو ضمن المعدل الطبيعي 135-146 يشكل خطورة على القلب قد يؤدي إلى فشله. فارتفاع الصوديوم في الدم مؤشر على الجفاف في الجسم.

(ملاحظة: تحسب معدلات مكونات الدم للمختبرات الطبية على آلاف الأشخاص الذين يتمتعون بصحة جيدة. لذلك وجد أن الصوديوم في دم الإنسان يتراوح بين 135-146، فاعتبر ذلك هو المعدل الطبيعي. هذه الدراسة الآن تقول إن المعدل العلوي يدل على الجفاف، فإذا استمر فهو خطر).

فالحفاظ على نسبة رطوبة الدم (الماء) في الجسم يساعد في انخفاض خطر الإصابة بقصور القلب. وتشير النتائج التي توصلوا إليها، والتي نشرت في مجلة القلب الأوروبية، أن استهلاك كميات كافية من السوائل طوال الحياة، يدعم وظائف الجسم الأساسية، ويقلل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب الحادة في المستقبل. فشرب كمية كافية من الماء يساعد في تقليل المخاطر طويلة المدى للإصابة بأمراض القلب.

 

خلاصة الموضوع: أن الاعتدال في تناول الملح، ضروري للحفاظ على صحة الدماغ، وتجنب أمراضه وخاصة أولئك المعرضين للخطر بأمراض القلب والدورة الدموية، مثل مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم.

وختامًا وأنا أكتب لكم عن الملح، تذكرت بيتًا للشاعر عبد الرحيم البرعي، حفظته في أيام الصبا من والدي:

كلامٌ  بلا نحوٍ طعامٌ  بِلا  ملحِ

وَنحوٌ بلا شعرٍ ظلامٌ بلا صبحِ

والبرعي شاعر يمني قدير، وصوفي شهير في العصر المملوكي، ولكن  لا له معرفة بالطب. حتى الأطباء في عصره لم يعرفوا أضرار الملح. لذلك عارضت البيت قائلاً:

(كلامٌ بلا نحوٍ طعامٌ  بِلا ملحٍ)

وقد  قصد  البرعيُ  ذلك  بالمدحِ

فلم يدرِ أن الملحَ للمرءِ  قاتِلٌ

فلا جازَ مدح ُالنحوِ عنديَ بالملحِ

فلا تنثروا بالملحِ فوقَ طعامِكم

لصحَّتِكم  يا ناسُ، بادرتُ بالنصحِ

وأحسنَ فيما قالَ في شطرِ بيتهِ:

(وَنحوٌ بلا شعرٍ ظلامٌ بلا صبحِ).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. حجر 14-7-2022