زراعة رئة لمريضة بكارونا

أيها الأعزاء،
منذ بداية هذه السنة 2020 وأنا لا شغل لي إلا متابعة أخبار وباء كارونا ومستجداته، في المجلات والمواقع الطبية، لأكسب ثقافة طبية، ومعرفة علمية بأسرار هذا المرض الجديد علينا، الذي ما سمعنا به في آبائنا الأولين. وكانت قصيدتي (كورونا والجن) إحدى ثمرات تلك الجهود الشخصية. فكلما وجدت في قراءاتي شيئًا طريفًا أو معلومة مهمة تفيد الناس، وتساعدهم على حفظ صحتهم، وتجنب هذا الداء، أبثها طوعًا للأصدقاء. فالعلم فضيلة، ومن فضل الله علينا:

 ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله

       على قومه يُستغنَ عنه ويذممِ

أثار انتباهي وانتباه زملائي الأطباء في مستشفى القلب ما نشره زميل شهير، من كبار أطباء القلب الأمريكان في صفحته، عن شابة أمريكية أصيبت بكورونا، فتلفت رئتها نهائيًا، مما حتم على الأطباء إجراء زراعة رئتين لإنقاذها. وكان المعمول به قبل ذلك، إذا وصل التلف لتلك الدرجة، وعجز الأطباء عن رفع مستوى الأكسجين الهابط في الدم بآلات التنفس وإدخال الأكسجين إلى الدم آليّا، تُرك المريض ليقضي نحبه.

ثم وجدنا تفاصيل قصة تلك الفتاة المصابة بالمصيبة الكورونية، في جريدة (نيو يورك تايمز) الصادرة هذا اليوم11 يونيو 2020. ملخص القصَّة أن المريضة شابة في العشرينيات من العمر، كانت تنعم بصحة جيدة، فلا تعاني من أمراض قبل إصابتها بكورونا (COVID-19). صبرت الفتاة على المرض في بيتها أسبوعين، قبل دخولها مستشفى جامعة نورث وسترن في شيكاغو في 26 أبريل 2020. مرت أسابيع على المسكينة دون أي تحسن. وسرعان ما احتاجت إلى جهاز آلي للتنفس. ولكن حالتها استمرت في التدهور ونقصِ الأكسجين في الدم نقصًا شديدًا، رغم كل تلك الجهود الإسعافية، فاضطر الأطباء إلى توصيلها بجهاز (ECMO) ليضخ الأكسجين مباشرة إلى مجرى الدم، دون الحاجة للرئة التالفة. وهذا هو أقصى ما يمكن عمله عادة لمثل حالتها بصورة مؤقتة. ولكن مع كل ذلك، فحالتها استمرت في التدهور الشديد. وبدأ تلفُ الرئة يضغط على قلبها وكبدها. وأصبح من الواضح أن رئتيها لن تتعافيا أبدًا، فالمرض أتلف الرئة تمامًا (كما في الصورة أدناه). عند ذلك قرر الأطباء الإسراع بعمل بطولي، وذلك بزراعة رئتين لها لإنقاذها.

 استغرقت عملية الزراعة 10 ساعات، أي عدة ساعات أطول من معظم عمليات زراعة الرئة، بسبب صعوبة العملية، لأن الالتهاب الناتج عن المرض، ترك رئتي الفتاة "ملتصقة تمامًا (مثل البلاستر) على أنسجة القلب وجدار الصدر والحجاب الحاجز من حولهما". وكنت أظن أنها أول مريضة في العالم تم لها زراعة رئة بسبب كورونا، ولكني علمت أن هناك مريضًا آخر، في مدبنة ووهان الصينية، زرعت له رئة قبلها.

لا تزال الفتاة الأمريكية على جهاز التنفس الصناعي، لأنه على الرغم من أن الرئتين المزروعتين بصحة جيدة، فإن مرضها الطويل جعل عضلات صدرها ضعيفة القدرة على التنفس. وقد تحتاج مدة طويلة كي تستعيد عافيتها وقوتها.

أيها الأعزاء

العبرة من هذه الحالة، هو أن لا تستهينوا بفيروس كورونا هذا، ولا تسمعوا لمن يهوّن الأمر، وينصح بعدم التخوّف، ويتهم الأطباء ببث الرعب. ولا تسمعوا لمن يقول إن المصاب الذي لا أعراض له لا يُعدي، كما بينت لكم بإسهاب قبل ثلاثة أيام في مقالي (انتقال عدوى فيروس كورونا).

فإياني وإياكم الإهمال وترك الأمور للحظ، بدلاً من "وخذوا حذركم":

ومن رعى غنماً في أرض مَسْبَعَةٍ

      ونام  عنها  تولَّى  رعيها   الأسدُ

اعتبروا كل من تقابلوه خارج المنزل هذه الأيام الصعبة، وكأنه مصاب بالفيروس، بغض النظر عما يبدو عليه من صحة جيدة، ونشاط جسمي رائع. صحيح أن أغلبية المصابين حاليًّا دون أعراض، أو بأعراض بسيطة، لكن المرض قاتل لآخرين. وصحيح أيضًا أن الذين أقل من 65 سنة من العمر ولا يعانون أمراضًا مزمنة، كالقلب والرئة والسكري يندر أن يتعبه المرض كثيرًا، ولكن هناك مثل حالة هذه الشابة التي كانت في صحة جيدة، من قد يمرض بشدة. فلا نعرف من سيمرض بشدة، ومن لن تظهر عليه أعراض. علم ذلك عند ربي. فيجب أخذ الوقاية بالابتعاد الجسدي ولبس الكمامة، وأخذ الأمر بالجد لا الهزل. و"لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة".

بجانب "الوقاية خير من العلاج"، آمالنا الآن مركزة، بعون الله، على ما يلي:

  1. انتاج اللقاح ضد هذا الوباء (خلال عام إن شاء الله).

  2. علاج ناجع (حتى الآن هذا غير متوافر، بغض النظر عن الدعايات التي نسمعها).

  3. أن تضعف قوة هذا الصنف من فيروسات كورونا بمرور الزمن، فلا يؤذي كثيرًا (كما تم ذلك في فيروسات الكورونا المسببة للزكام خلال السنين).

 أرجو الله لكم الصحة والعافية، والسلام عليكم.

       د. حجر أحمد البنعلي      11 يونيو 2020

الرئة التالفة للفتاة                 الرتيئتان اللتان زرعتا لها

© 2019 by Dr. Hajar